الصمت الزوجي

الصمت الزوجي..
تخيل هذا المشهد: زوجان يجلسان تحت سقف واحد، وعلى مائدة طعام واحدة.. لا صوت يقطع سكون المكان سوى قرقعة الملاعق، أو رنين إشعارات الهواتف. الأجساد حاضرة، لكن الأرواح في جزر متباعدة.. هذا هو “السكوت الزوجي”، ذلك الضيف الثقيل الذي يتسلل إلى البيوت ببطء حتى يخنق مودة ساكنيها.
ليس هذا ما أراده الله لنا..
لقد شرع الله الزواج ليكون واحة أمان، لا ساحة صمت موحش. تأمل معي قول الحق تبارك وتعالى في دستور العلاقة الزوجية:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فالمودة والرحمة لا يمكن أن تنمو في أرض جافة صامتة؛ إنها تحتاج إلى “سقيا” الكلمات الطيبة والمشاركة الوجدانية لتزهر وتثمر.
لماذا تسكت الشفاه؟
لم يحدث هذا فجأة، بل هو تراكمات بدأت صغيرة:
- شاشات سرقتنا: أصبحنا نتقن الحديث مع الغرباء خلف الشاشات بطلاقة، ونعجز عن صياغة جملة دافئة لمن يشاركنا الوسادة!
- الروتين القاتل: حين تدور الأحاديث فقط حول “فواتير الكهرباء”، و”طلبات الأولاد”، و”ماذا نطبخ اليوم؟”، تموت لغة المشاعر وتذبل أحاديث الود.
- الخوف من النزاع: البعض يختار الصمت ظناً منه أنه يشتري راحة باله، متناسياً أن البركان الخامد قد يموت ببطء ويتحول لرماد بارد، فتفقد العلاقة نبضها.
بيت النبوة.. القدوة الحية
لم يكن بيت النبي ﷺ بيتاً صامتاً جامداً، بل كان مليء بالحياة والتشارك. كان ﷺ يستمع لزوجاته، ويحاورهن، ويمازحهن. ولنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة حين قال:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» [رواه الترمذي].
فالخيرية هنا ليست بالمال فقط، بل بطيب التعامل، ولين الجانب، والكلمة الحلوة التي تكسر حواجز الجفاء.
كيف نذيب الجليد؟
الحل لا يحتاج لمعجزات، بل لخطوات بشرية صادقة:
- اطردوا “الطرف الثالث”: خصصوا وقتاً يومياً -ولو 15 دقيقة- تكون فيه الهواتف بعيدة تماماً. انظر في عيني شريكك حين يحدثك، فالإنصات لغة حب صامتة.
- غيّر نوع الأسئلة: بدلاً من الأسئلة الروتينية، جرب: “كيف كان يومك حقاً؟”، “ما الذي أسعدك اليوم؟”.
- شارك الاهتمامات: لا يشترط أن تحب ما يحبه الطرف الآخر، لكن يكفي أن تظهر اهتمامك به. استمع له وهو يتحدث عن هوايته بحب، فالحب هو “المشاركة”.
همسة أخيرة..
البيوت لا تُبنى بالجدران الإسمنتية فحسب، بل تُبنى بالكلمات الطيبة. لا تنتظر من الطرف الآخر أن يبدأ.. كن أنت المبادر، واكسر حاجز الصمت بكلمة حب، أو بابتسامة ومزحة..
فالحياة أقصر من أن نقضيها غرباء تحت سقف واحد.
سالم باشعيب



